الدفاع عن شيخ الاسلام أ.د\ علي جمعة

فإنه مما يحزن قلب المسلم الواعى ويؤسفه أن يرى إخوانه المسلمين لا يتثبَّتون فى دينهم, ولا يتقون الله فى علماء الإسلام الأكابر, ويراهم يرمون علماءنا بأشنع التُّهم,, وبأنهم يبيعون الآخرة بالدنيا, وحاشاهم واللهِ وكلا ثم كلا, فَلَكَمْ نعرف من أمانتهم وصدقهم, وصيانتهم, وتفانيهم فى الدفاع عن حوزة الإسلام, والدفاع عن نبى الإسلام وشريعته وأحكامه, بما لا يفقه هؤلاء الصغار, ولا يستطيعون أن يدانوه قيد أنملةٍ, وإنما وللأسف يتعلَّقون بأوهامٍ كاذبةٍ فى أذهانهم,فوجب علينا التوضيح والرد عليهم.

السرة الذاتية لشيخ الاسلام علي جمعة والمقالات والفيديو اضغط علي الصورة

الاثنين، 26 مايو، 2008

الرد علي من ادعي أن الدكتور علي جمعة خالف قولة في ختان الآناث بعد تولي رئاسة دار الافتاء

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وصلى الله وسلم على سيدنا محمدٍ مصطفاه, وعلى آله وصحبه, ومن والاه.

وبعـــــد:

فإنه مما يحزن قلب المسلم الواعى ويؤسفه أن يرى إخوانه المسلمين لا يتثبَّتون فى دينهم, ولا يتقون الله فى علماء الإسلام الأكابر, ويراهم يرمون علماءنا بأشنع التُّهم, وبأنهم يبيعون الآخرة بالدنيا, وحاشاهم واللهِ وكلا ثم كلا, فَلَكَمْ نعرف من أمانتهم وصدقهم, وصيانتهم, وتفانيهم فى الدفاع عن حوزة الإسلام, والدفاع عن نبى الإسلام وشريعته وأحكامه, بما لا يفقه هؤلاء الصغار, ولا يستطيعون أن يدانوه قيد أنملةٍ, وإنما وللأسف يتعلَّقون بأوهامٍ كاذبةٍ فى أذهانهم, وظنونهم المختلَّة, وقد نهينا عن اتباع الظن, فما بالنا بسوء الظن بعلماء الإسلام كالعالم الكبير مفتى الديار المصرية بل مفتى الإسلام الأستاذ الدكتور على جمعة- حفظه الله تعالى – من عالمٍ فطنٍ ذكىٍّ زكىٍّ ذابًّا عن الإسلام والشريعة عارفاً متبحراً مدركاً ما يقول وفى أى وقتٍ يقول, وفى أى زمانٍ يقول.

لا تغفلنْ سبب الكلام ووقته والكيفَ والكَمْ والمكانَ جميعا

فأقول:

إنه قد اعترض بعض القاصرين عن إدراك أحكام الشريعة على الوجه الحق, علـى أ.د/ على جمعة- مفتى الديار المصرية, أنه أفتى مرةً بأن الختان مباحٌ أو أنه مَكْرُمَةٌ, وأفتى مرةً أخرى أنه الآن يراه حراماً فعلُه, وأن الأحاديث الواردة فيه ضعيفة, وظن هؤلاء القاصرون بظنهم- وإن الظن لا يغنى من الحق شيئاً- وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم: "إياكم والظنَّ, فإن الظن أكذبُ الحديث"- ظنوا به ظنًّا سيئاً, وأنه غيَّر فتواه فى الختان بعد تولِّيه الإفتاء إضاءً للحاكم أو لأى ظنٍ فاسدٍ فى أذهانهم العَفِنَة!!

والأمر ليس كذلك مطلقاً بل أبين لك وجه الحق فى ذلك, وسببه:

أولا: أن أحاديث الختان ضعيفةٌ, والضعيف لا يتقوَّى بالضعيف, ومثل هذه الأحاديث إنما يؤخذ بها فى فضائل الأعمال, ولا نبنى عليها الأحكام؛ لأننا لا نتعبد فى ديننا بما هو مشكوك فى نسبته للنبى صلى الله عليه وسلم, بل غاية الأمر فى مثل ذلك أن يرتفع الحديث الضعيف لتعدد طرقه من الضعيف إلى مرتبة الحسن, أو يُعَدُّ فعلُ هذه العادة من قبيل المكارم, ويقال على هذه الفعلة: "مَكْرُمَة", أو "مباح" بناءً على تعدد طرق الحديث وإن كان ضعيفاً, وإنزاله منزلة الحسن لتعدد طرقه, وهذا ما أفتى به الشيخ حينما سئل أولاً عن الختان.

ثانياً: هذه الفتوى الأولى حيث لم يكن هناك انتشارٌ لأضرارٍ وصلت إلى حدِّ موت فتاتين أو يزيد خلال شهرٍ تقريباً, أثناء اختتانهما على يدى طبيبين-(ناهيك إن كان الفاعل حلاق الصِّحة)- فلك أن تتصور كم سيصل عدد المُتَوَفَّيات فى هذه العملية المختلَفُ فيها فقهاً بين كونها عادةً أو مباحةً أو مستحبةً أو واجبةً. فحينما يصل الحد إلى أن الأطباء لا يستطيعون فعلها بجدارة, ويؤدى هذا غالباً لنزيفٍ يفضى إلى الوفاة؛ فلا شك اعتماداً على حديث النبى صلى الله عليه وسلم: "لا ضرر ولا ضِرَار", لا شك أن الضرر يتعين دفعُه عن المسلمة وعن أهلها الذين تحترق قلوبهم تفجُّعاً بمصيبتهم, ولربما ظنوا بسبب ذلك ظنوناً فاسدةً بالشرع الشريف المحكم الذى لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه, وإنما الأمر كما قال النبى صلى الله عليه وسلم: "إن هذا الدين متينٌ فأوغلوا فيه برفقٍ", وقال: "ولن يشادَّ الدينَ أحدٌ إلا غلبه".

أضف إلى ذلك أن رأى الأطباء مسلمين وغير مسلمين شرقاً وغرباً مجمعٌ على أن هذه العملية لا تأثير لها على عملية تخفيف الإثارة لدى المختتنة, وإنما مركز الإثارة محله المخ حيث يتلقى الإشارة من النخاع الشوكى, ويرسلها إليه, فتحدث الإثارة, أو التجاوب مع الإثارة, وذلك شىء يتعلق بالإرادة. والنبى صلى الله عليه وسلم يقول: "ألا لا ينازع ذو سلطانٍ فى سلطانه", والأطباء أصحاب السلطان(الخبرة) هنا, ورأيهم يُسمع ما لم يتعارض مع الشريعة, ولن يتعارض صحيح العلم مع صحيح الشرع, أما ها هنا فتعارض الطب الصحيح مع حديث ضعيفٍ, فقدمنا ما يدفع الضرر عن المسلم؛ لأن دفع الضرر(المتيقَّن, والمظنون) مقدَّم على جلب النفع(المتوهَّم). فلا نغامر بحياة المسلمات وصحتهن لأجل ظنون درجت عليها الناس يكذِّبها الطب, وليس لها من أدلة الشريعة ما يساندها من الأحاديث القوية الصحيحة, فاعتبروا يا أولى الأبصار من المتدينين والمثقفين وغيرهم.

ثالثاً: إن الفتوى تختلف طبقاً لشروطٍ أربعةٍ يعرفها صغار طلبة العلم فضلاً عن أهل العلم, وهى:

1- الزمان. 2- المكان. 3- الأشخاص. 4- الأحوال.

1- أمَّا عن تغير الفتوى بتغير الزمان, فعندها مربط الفرس؛ لأن ما يفتى به فى زمانٍ لا يفتى به فى آخر أحياناً مثال ذلك: قول النبى صلى الله عليه وسلم عندما أخبر عن أيام الدجال آخر الزمان, وأن أيامه تكون يوماً كأسبوعٍ, ويوماً كشهر, ويوماً كسنة, وباقى أيامه كسائر الأيام؛ فقيل: "كيف تكون الصلاة فى هذه الأيام", فقال: صلى الله عليه وسلم: "اقْدُروا لها قدرها". فلما طالت أيام الدجال ولم تكن كزماننا من حيث الطول والقصر أمر بحساب ذلك وتقدير أوقات الصلاة. وبناءً عليه وعلى أمثاله الكثيرة من الشريعة اختلفت فَتْوَتَىْ الختان من الشيخ لأن الأولى زمنها حيث لم تكن هناك حوادثٌ على أيدى أطباءٍ تتكرر بصورةٍ كبيرةٍ ومقلقةٍ.

بل إن النبى صلى الله عليه وسلم أذن الله له فى تشريع أحكامٍ فى أوقاتٍ ثم أمره بنسخها مثل قوله صلى الله عليه وسلم: "كنتُ نهيتكم عن ادخار لحوم الأضاحى لأجل الدَّافة, وقد جاء الله بالسَّعة فكلوا منها وادَّخروا", والدَّافة: جماعةٌ دخلوا المدينة قد أهلكتهم السنة, فكانوا يحتاجون للغذاء قطعاً. فنهاهم النبى صلى الله عليه وسلم عن ادخار لحوم الأضاحى فى هذا الوقت ثم أباحه لهم. فهذا حكمٌ بالتحريم وهذا حكم بالإباحة, وللعلماء فى رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسوة والقدوة, وعنه نفهم سعة الشريعة ولا نغتر بضيق الأذهان والتشدد لأجل عدم الفهم والقصور والعجز. فهذان المثالان السابقان عن تغير الفتوى بتغير الزمان. فالنبى صلى الله عليه وسلم له القضاء والفتوى والسياسة الشرعية بما فيه مصلحة الرعية, وهذا من قبيل الفتوى له صلى الله عليه وسلم.

2- وأما عن تغير الفتوى بتغير المكان: فمثاله قوله صلى الله عليه وسلم: "إيَّاكم والجلوسَ فى الطرقات", قالوا: "ما لنا بدٌّ يا رسول الله", "فإن كان ولابد فأعطوا الطريق حقه", قالوا: "وما حق الطريق يا رسول الله"؟ قال: رد السلام وإماطة الأذى وغض البصر.." الحديث بمعناه.

فصار الجلوس بالطريق مؤدياً للحرام إذا لم يغض البصر مثلاً, فينبغى الكفُّ عن الجلوس حينئذٍ, وأما إذا قام بحق الطريق واحتاج للجلوس فلا بأس بذلك ومباحٌ له, طالما يقوم بحقوقه. فهذا حكم بالامتناع وهذا بالإباحة, بل يكون مأجوراً أيضاً إذا قام بحق الطريق. وللشيخ وللعلماء أسوة بالنبى صلى الله عليه وسلم فى هذا وأشباهه, فاتقوا الله واسمعوا وأطيعوا يا أهل الإسلام. فإذا قيل لى: إن الطفلة إذا دخلت أىَّ مكانٍ كمستشفى وغيره لعمل تلك العادة التى حديثها ضعيف وضررها محقق أو مظنون, ولا نفع لها بشهادة أهل الخبرة, فإذا دخلت ذلك المكان لإجرائه احتمل الأمر تعرُّضها لنزيفٍ وأضرارٍ أخرى نفسيةٍ تستمر معها ولا تُنسى غالباً؛ كان الحكمُ بالمنع من دخول ذلك المكان لأجل إجراء هذه العملية بعينها, أما لو كان الدخول لسببٍ آخر فلا شىء فيه.

فيجوز للإنسان أن يأكل الميتة فى صحراء قاحلةٍ لا زرع فيها لكى يُبقى على نفسه ويحفظها من الهلاك, فيتناول من الميتة بقدر ما يسد رمقه ويُبقى على نفسه, ويكون آثماً إثماً عظيماً عند الله تعالى إن تشدد ولم يأكل حتى مات وقال: إنها ميتة وأنا لا آكل الميتة لأنها حرام فى الأصل!!. بل ربما كان بذلك منتحراً مستهتراً بالنفس البشرية التى كرمها الله تعالى وأمر بحفظها. فأكل الميتة فى الصحراء لأجل ذلك السبب حلالٌ بل واجبٌ يأثم تاركُه؛ لأنه سيموت أو حتى يقارب على الهلاك بعدم الأكل. وأكل الميتة حرامٌ حيث وجد غيرها فى مدينةٍ أو قريةٍ أو أى مكانٍ كان. بل الحكم نفسه مختلفٌ فى نفس الصحراء لو وجد بها ما يؤكل مرةً, ومرةً لم يجد إلا الميتة, ففى الأولى يحرم أكل الميتة, وفى الثانية يجب أكل الميتة. فاعتبروا يا أولى العقول التى تتأمل وتفكر.

فهل لو أفتى إنسانٌ هنا بفتوى, ولو سئل عن الصحراء أفتى بأخرى سيقال عليه إنه يبيع دينه, ويُتهم بهذه السفاهات والجهالات التى تخدم أعداء الإسلام من النيل من علماء ورموز الإسلام؛ حتى يصير الشباب تائهاً لا يجد له قدوةً, ولا يطمح إلى السماع لأحدٍ, ولا يثق بأحدٍ إلا نفسه, ويصير إناءً فارغاً, ومن المعلوم أن كل إناءٍ ينضح بما فيه, فكن أخى الشاب ممتلئاً علماً من أهله, ونوراً من قرآن ربك وحديث نبيك, ولا تسارع إلى الحكم على شىءٍ من غير فهمٍ لمجرد السماع, ولمجرد حب أن يكون لك رأى, وإن كان لا أساس له من العلم والفهم, فأنت لا تستطيع أن تبدى رأياً مثلاً فى شىءٍ يتعلق بالجِيْنَات الوراثية أو بالفُوتونات أو بغير ذلك, وأنت لم تدرس هذه العلوم أو درستها على غير أهلها ممن لا يتقنها؛ فكذلك الحال فى الشريعة المحمدية العظيمة, بل الإثم فيها خطيرٌ جداً لا يستهان به, وعلومها كثيرة, وتحتاج إلى سنواتٍ وسنواتٍ وأعمارٍ لدراستها على أهل التخصص.

3- وأمَّا عن تغير الفتوى باختلاف الأشخاص, فقد كان يقول النبى صلى الله عليه وسلم لأحد الصحابة: "تُجْزِئك ولا تجزئ غيرك", ويقول له أحدهم عِظْنِى, فيقول له: "لا تغضب"_ يكررها ثلاثاً, ويأتيه آخر فيقول: "قل اللهم أعنِّى على ذكركَ وشكركَ وحسن عبادتك", فيقوله للناس عامةً: "أطعموا الطعام, وأفشوا السلام, وصلوا بالليل والناس نيام, تدخلوا الجنة بسلام"....إلى غير ذلك من جوامع الكلم عنه صلى الله عليه وسلم التى أمر بها كلَّ واحدٍ بما ينهضه ويناسبه ويرقيه مع الله تعالى, ويحتاجه أكثر من غيره من المأمورات لافتقاده تلك الخصلة أو الخُلُق, فيأمره بما يُصْلِحُه ويَصْلُح له بعينه.

ولنا أيضاً دليلٌ على ذلك فى مسألة إرضاع الكبير التى أمر فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم المرأة التى غار زوجها من يتيمٍ كان يدخل عليها وعلى زوجها ويعيش بينهما, وقد ناهز البلوغ, فأمرها بإرضاعه- يعنى تعصر ثديها فى ِشىءٍ من غير ملامسة لفمه ثم يشرب هو منه- فلم يأخذ الأئمة الأربعة بالحديث مع أنه صحيحٌ فى صحيح الإمام مسلم, وجعل بعض العلماء ذلك واقعة عينٍ- يعنى حالةً خاصةً لا يقاس غيرها عليها, وتخص هؤلاء الأشخاص بعينهم- ولا يأمر بذلك كل شخصٍ فى مثل هذه الحالة من المسلمين.

وكان سيدنا عمر رضى الله عنه يفتى فى المسألة من المسائل بقولٍ, ثم يفتى فى نفس الأحوال ولكن تجدَّد له النظر فى المسألة, ورأى رأياً خلاف ما رآه قبل ذلك, فيفتى به, فيقال له فى ذلك, فيقول لهم: "هذا على ما قضينا, وهذا على ما قضينا". ومن ذلك صاغ العلماء قاعدةً تسرى فى كل زمنٍ؛ لموسوعية الإسلام وسماحته, واحتوائه للأزمان والأماكن والأشخاص والأحوال, وهذه القاعدة هى: "لا يُنْقَضُ الاجتهادُ بالاجتهاد"- يعنى: إن أفتى العالم برأىٍ, ثم رأى غيره لاختلاف بيئة الفتوى أو مع عدم اختلافها, ولكن لمجرد رؤيته أن هذه المسألة الحكمُ فيه كذا وليس كما أفتى من قبلُ, فلا يُعْتَرَضُ عليه, ولا يتَّهم فى دينه, ولا يُظنُّ به سوءٌ كما يفعل أغبياء وجهلة هذا الزمن من مختلف التيارات والمشارب السوداوية المظلمة صحافةً كانت أو وهابيةً أو سلفيةً أو علمانيين أو ماكرين حاقدين على الإسلام وأهله وعلمائه؛ فانتبهوا يا أولى العقول التى تفكر وتبصر الرشاد من الغىِّ.

بل إن ذلك الاختلاف فى الفتوى يتطرق إلى علومٍ أخرى كعلم تفسير الأحلام, فمما يذكر عن إمام المفسرين للرؤى والأحلام الإمام ابن سيرين: أن رجلاً سأله عن رؤياه ناراً, فعبَّرها له بأنها خير, وسأله آخر عن رؤيا النار أيضاً, فقال: إنها شر, فسألوه عن اختلاف التفسيرين مع أن الرؤيا واحدة, فقال: الأول رآها فى الشتاء فكانت خيراً, والآخر فى الصيف فكانت شراً. فقد أثَّر اختلاف الزمان فى تعبير الرؤيتين, وهى رؤيا واحدةٌ.

بل إنه جاءه أحدهم يسأله عن الأذان فى النوم, فقال له: تحج البيت الحرام, وسأله آخر فقال: تسرق فتقطع يدك. فلما سألوه: قال إنه تفرَّس فى الأول ورأى فيه أنه من أهل الصلاح والخير, ففسرها بقوله تعالى: , ورأى أن الآخر من أهل الفساد والإفساد, ففسرها بقوله تعالــى: . فأثَّر اختلاف الشخصين فى اختلاف تفسير الرؤيتين, وإن شئتَ قلتَ أثَّر اختلاف حاليهما فى تفسير رؤيتيهما.

4- وأمَّا عن تغير الفتوى بتغير الأحوال, فكالنكاح تعتريه الأحكام الخمسة تبعاً لحالة الشخص نفسه, فإن كان يمتلك الباءة المالية والجنسية, وله رغبة قوية فى النكاح وتطوق نفسه إليه, فهذا يجب عليه الزواج حيث توفرت الدواعى ولا مانع ولا عائق يحول دونه. وإن كان لا يمتلك الباءة لكونه مقطوع الذكر مثلاً, فذلك يحرم عليه حيث يؤدى إلى الإضرار بالزوجة. وإن كان من أهل العبادة والتنسُّك وطلب العلم مشغولاً به دوماً, مع كون نفسه تطوق أحياناً إلى الزواج, ولا باءة عنده مالية, فهذا لا يجب عليه الزواج, وربما كان مكروهاً لفقدان الباءة فلا يستطيع الإنفاق,....إلى آخر الصور الأخرى التى تكلم أهل العلم عنها لا أهل الجهل فى هذا العصر من الشباب أحداث الأسنان ممن لا فهم لهم فى دين الله تعالى.

ولو شئنا أن نتتبع هذه الأمثلة والأحاديث والفتاوى والأقوال على مر عصور الإسلام لامتلأت منها المجلدات, ولكن ضعفاء العقل والفكر لا يقرؤن ولا يسمعون؛ فلا يفهمون, فهم فى غيِّهم يترددون, فاعتبروا يا أولى الأبصار ولا تنزلق بكم الأقدام إلى تلك المزالق المُرِيعة, وفى هذا القدر كفاية لمن كان طالباً للهداية. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

كتبه/ محمد عبد الرحمن الشاغول- باحث ومحقق للتراث, وأحد مريدى وتلاميذ أ.د/ على جمعة- مفتى الديار المصرية- حفظه الله تعالى , ونفعنى والإسلام والمسلمين به. آمين.

الخميس، 22 مايو، 2008

الذب عن الامام علي جمعة وسيدي عبدالعزيز الدباغ في اقوال افتراها أهل الجهل

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله تعالى , وصلى الله على سيدنا محمدٍ ومن والاه, وهدى الله من تفهم أقوال أهل الله من غير مجاوزةٍ ولا إنكارٍ ولا شططٍ يخرج به عما أرادوه, وعنهم يفهم كلامهم من فتح الله عليه أو ألقى السمع وهو شهيد, وبعد:

فمما أنكره بعضهم على سيدى عبد العزيز الدباغ الولى الكبير ببلاد المغرب- فيما ذكره عنه سيدى الشيخ مفتى الديار المصرية أستاذى الكبير على بن جمعة- قول تلميذ سيدى عبد العزيز الدباغ:( ومنها أنى لما أردت أن أتزوج الزيرارية, وكنت غير عارفٍ بصفتها , فوصفها لى بما وجدتها عليه , وذكر لى أموراً لا يعلمها إلا الله, ثم لما عزمت الدخول قال لى: أنا ليلة الدخول أكون عندكم, فقلت له: وبم أعلم ذلك يا سيدى؟ فقال: إنى أفعل لك علامة).

ولم يذكر المنكر المعترض غير الفاهم باقى القصة, وتمام القصة هو: ( ثم لما اجتمعت بالزوجة وكلمتها بعض الكلام وإذا بالدم يسيل على خياشيمها, فقلت لها: وما بالك؟ فقالت لى: أنت ضربتنى على أنفى, فسكتُّ عنها, وعلمت أنه فعل سيدنا الإمام, ثم لما ذهبت لزيارته وذكرت له القصة قال لى: نعم, ولو لم يهبط ذلك الدم من خياشيمها لمرضتْ؛ وذلك أنها جاءت من موضعٍ بعيدٍ, وكان يوماً بارداً فامتخض فيها الدم- قلت: أى اجتمع وتجلط). انتهى الكلام بتمامه من غير بتر كما فعل المنكر المعترض على أهل الله كراماتهم وما أثابهم الله من أشياءٍ يجريها على أيديهم جزاءً لطاعاتهم ومحبتهم لله, فقد ورد فى الحديث القدسى: "عبدى أطعنى تقول للشىء كن فيكون".

والجواب على المعترض هو:

إن أهل السنة والجماعة لا ينكرون الكرامات وهى أفعالٌ خارقةٌ للعادة البشرية, وأنها إكرامٌ للمتبعين لكتاب الله وسنة النبى صلى الله عليه وسلم, وأنها دليل فى نفسها على صدق النبى الذى اتبعه هذا المؤمن الولى, بل أكثر من ذلك أنهم قالوا: "لكل مسلمٍ كرامةً لا محالة", كأن يفرج الله عن كرباً من حيث لا يدرى, أو يرزقه برزقٍ من حيث لا يتوقع, أو يشفيه من غير أن يتناول دواءً, أو يفكر فى طعامٍ أو شرابٍ يريده فيجده قد عُرِضَ عليه وأتاحه الله على يد بعض الناس له, والكرامة درجاتٌ منها أن يمشى على الماء لمن شاء الله, أو أن يُرَى يطير فى الهواء, ولكن نعرض أفعال هذا الشخص على الكتاب والسنة فإن وجدناه موافقاً لهما صدقنا بذلك المشى أو الطيران وغيره, وإلا إن كان فاسداً ضالاً عددنا ذلك من قبيل السحر والدجل وغير ذلك- كما يقول ذلك ابن تيمية نفسه والذى يتبعه المعترض فى أغلب أقواله
- ولابد أن نعلم أن أهل السنة والجماعة قالوا:
"إن كل معجزة لنبىٍّ جاز أن تكون كرامةً لولىٍّ, ولكن بشرط عدم وقوع التحدى من الولى بها"- ذكر ذلك الإمام النووى فى كتابه "بستان العارفين", وهو من أكابر أهل السنة والجماعة, وهو شارح صحيح الإمام مسلم, والذى نأخذ عنه الفهم فى حديث نبينا وشريعتنا. وشرطوا عدم التحدى من الولى لأن النبى يفعل الفعل الخارق لعادة البشر والذى يستحيل عادةً أن يقع من البشر عندما يتحدونه ويطلبون منه دليلاً على صدق نبوته ورسالته؛ فكان من البدهىِّ أن يؤيده الله بالمعجزة ليتحدى بها المكابرين الكافرين, ولتكون تبياناً لمن صدق فى طلب البرهان ليؤمن بالله تعالى, فقد تحدى سيدنا موسى علي نبينا وعليه الصلاة والسلام فرعون بالعصا التى استحالت حيةً أكلت حيات السحرة, وكان سيدنا عيسى يبرئ الأكمه والأبرص بل كان يحيى الموتى بإذن الله تعالى بنص القرآن الكريم, وكان ينبئهم بما يأكلون وما يدَّخرون فى بيوتهم, ولا أحسب المعترض المنكر إلا يؤمن بصحة كل ما جاء فى القرآن, وإلا لو أنكر ذلك لكان كافراً بإجماع الأمة المحمدية, أما عن معجزات النبى محمد صلى الله عليه وسلم فقد آتاه الله كل معجزة كانت لنبىٍّ قبله, فكان يضع يده على المريض ومن به جنون فيشفى لحينه, وكان يدعو بالشىء فيستجاب لحينه, وكان الحجر يسبح فى يديه, ويكلمه الشجر ويسعى إليه إذا ناداه- عندما طلب أحدهم منه ذلك حتى يؤمن به- فنادى الشجرة فسعت بين يديه, فآمن الرجل, وتناول بيده الشريفة عين أحد الصحابة فى إحدى الغزوات وقد تدلت فأعادها مكانها فكانت أصح العينين,...... وغير ذلك الكثير مما هو على سبيل التحدى أو هو آية من الآيات من غير تحدٍّ أو هو من إرهاصات النبوة- أى المنبئات عن نبوته- كتظليل الغمام له صلى الله عليه وسم وهو صغير فى قافلة التجارة.

هذه مقدمة قبل الرد على المعترض على الكلام الصادر من سيدى الولى الكبير عبد العزيز الدباغ:

فأما قوله: (وكنت غير عارفٍ بصفتها) يعنى: لا يعلم من أخلاقها وصفاتها الطبيعية التى جبلها الله عليها, أو كونها طويلةً أو قصيرةً أو جميلةً أو قبيحةً. وقوله:( فوصفها لى بما وجدتها عليه)
يعنى: قال له شيئاً من هذه الصفات مما أعلمه الله إياه إما عن طريق رؤيةٍ رآها الشيخ, وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم:" ذهبت النبوات ولم تبق إلا المبشِّرات, قيل: وما المبشرات؟ فقال: "الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو تُرَى له" فهل يكذِّب المعترضُ النبىَّ صلى الله عليه وسلم فى قوله؟!!!

ويجوز كون الله أعلم الشيخ هذا بما يسمى عند علماء الإسلام بـ"الكشف", وهو أن يكشف الله له شيئاً من الغيب على سبيل الكرامة فيقع فى قلبه كأنه يراه فيحدِّث به, وقد حصل هذا لسيدنا عمر ولسيدنا سارية, عندما كان سيدنا عمر على المنبر بالمدينة وسيدنا سارية يقاتل فى ميدان المعركة, فقال سيدنا عمر على المنبر: "الجبلَ الجبلَ يا سارية" أى الزم الجبل وتحصَّن به أنت والمسلمون من العدو, فسمعه سارية وتحصن به, ثم لما جاء إلى المدينة بعد شهرين أنبأ عن سماعه سيدنا عمر إذ ذاك وامتثاله لما أمره به. وهذا كشفُ شىءٍ من الغيب بإذن الله لأولياء الله لمصلحةٍ أرادها الله, وليثبِّت به قلوب الذين آمنوا, ويضل الله الفاسقين ويفعل الله ما يشاء. وبذلك نعلم ويسهل علينا تصور صدور أمثال تلك الأمور من علماء أمتنا وأوليائها زاد الله الأمة منهم.
وقوله:( وذكر لى أموراً لا يعلمها إلا الله) يتبين أنه من هذا القبيل, فيقول له مثلا ستجدها تحب كذا أو تكره كذا, وتجدها صالحةً أو تفعل كذا وكذا من الخير والنوافل... أو أنها تعانى من المرض الفلانى وغير ذلك .

وقوله: (أن ليلة الدخول أكون عندكم, فقلت له: وبم أعلم ذلك يا سيدى؟ فقال: إنى أفعل لك علامةً). يعنى: أكون عندكم بمعنى حصول بركتى عندكم ومن جملتها أنى أفعل عندكم من الخير شيئاً- لا بفعلى استقلالاً بل بما آتانى الله من الكرامة- وإن كان جسدى غير موجودٍ بينكم فيما ترون, وهنا ينبغى أن نضيف إلى القارئ الكريم مسألةً
وهى ما يسمى عالم المثال المذكور فى قول الله تعالى: "فتمثل لها بشراً سويّا" . قال العلماء: إن الله خلق عالماً آخر بين عالم الأجساد والأرواح, فهو واسطة بينهما, والمثال أن يجعل الله لمن أراد من أهل الله أهل كرامته مثالاً منه فيكون هذا المثال ألطف كثافةً من عالم الأجساد, وأكثر كثافةً من عالم الأرواح؛ لشىءٍ أو مصلحةٍ أرادها الله بوليه أو بأحد من خلقه على يد وليه, فحضور الشيخ عندهم من هذا القبيل,
وقد رأى الناس كبير علماء أهل السنة والجماعة عبد الله بن المبارك فى الحج ولم يكن ذهب إليه لأنه تصدق بالمال على امرأةٍ كانت تطعم أولادها الميتة من الطيور, فتصدق عليها وعاد ولم يحج, ثم إن الناس رأوه فى الحج وأخبروه عندما عادوا, ولا أظن المعترض يتهم عبد الله بن المبارك تقى الأمة بالتخريف والابتداع والكذب مما يريد إلحاقه بأهل الله وخاصته من خلقه, وأمثال هذا كثير من الكرامات مما رواه الثقات من أهل الحديث وغيرهم فى
"حلية الأولياء" لأبى نعيم الأصفهانى.
و"الكواكب الدرية فى تراجم السادة الصوفية" للغمام عبد الرؤوف المناوى.
وغير ذلك الكثير, فاللهم اهدِ كل معترضٍ على ما لا يعلم بما لا يفهم, حتى لا يصير ضالاً مضلاً لغيره من المسلمين.

وبقية القصة وهى قوله: (ثم لما اجتمعت بالزوجة وكلمتها بعض الكلام وإذا بالدم يسيل على خياشيمها, فقلت لها: وما بالك؟ فقالت لى: أنت ضربتنى على أنفى, فسكتُّ عنها, وعلمت أنه فعل سيدنا الإمام, ثم لما ذهبت لزيارته وذكرت له القصة قال لى: نعم, ولو لم يهبط ذلك الدم من خياشيمها لمرضتْ؛ وذلك أنها جاءت من موضعٍ بعيدٍ, وكان يوماً بارداً فامتخض فيها الدم- قلت: أى اجتمع وتجلط). يعنى: أن فعل مثال الشيخ لذلك بإذن الله تعالى كان لأجل تلك المصلحة لهذه المسلمة, فكان بمثابة الطبيب أرسله الله رحمةً لها, وتطميناً لقلب تلميذه ليتثبت فى طريقه إلى الله وليعلم أن من حفظ الله بالامتثال للطاعات حفظه وكان معه فى كل وقتٍ وحين بما يظهره له من عجائب الأمور وما يشرح الله به الصدور, ولكن المعاندين الجاهلين لا يعلمون, والناس أعداء ما جهلوا, وإذا اعترض معترضٌ فقال: ولما لا يحدث هذا لى؟ فأقول له: "كن مثلهم فى تقواهم وأعمالهم وإيمانهم القوى ويقينهم يعطك الله ما أعطاهم إن شاء
" فإن من ذاق عرف ومن عرف اغترف, وشرف العلم فوق كل شرف".
والله الهادى.


كتبه الفقير إلى عفو الله
محمد عبد الرحمن الشاغول

الانتصار لمفتي الديار وتوضيح الاشكال في قول الامام علي جمعة الولي يزني

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وصلى الله على سيدنا محمدٍ وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه ممن أحسن الأدب بين يدى أهل العلم واستفهم عما أشكل عليه ولم ينخدع بتمويه أحداث الأسنان سفهاء الأحلام الذين يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم كما وصفهم النبى صلى الله عليه وسلم, وبعد؛

فإنه قد اعترض بعض عوام المسلمين ممن لا يوقرون كبيرهم, وقد قال النبى صلى الله عليه وسلم: "من لم يوقر كبيرنا فليس منا". وقال: "ليس منا من لم يوقر علماءنا". فقالوا: كيف يسوغ وصف شيخ الإسلام والمسلمين سيدى على جمعة مفتى الديار المصرية- حفظه الله تعالى- كيف يسوغ له وصف الولى بأنه قد يقع فى الزنا – كما ورد على لسان سيدى عبد القادر الجيلانى الحسنى وهو من جده رسول الله – عندما سئل:"أيزنى الولى؟" فقال: "وكان أمر الله قدراً مقدوراً".

والجواب عن الاعتراض – لعل الله يفتح قلوب المنصفين الطالبين للحق- هو الآتى:

أولاً: أن الشيخ الجيلانى أرجع الأمر إلى الله تعالى, فهو الذى بيده مقادير الأمور, وأرجع الأمر إلى قدر الله, وهل يحول أحدٌ دون قدر الله إذا أراد شيئاً!!
إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له "كـــن" فيكون. فلأجل ذلك قال: نعم يجوز أن يقع الزنا من الولى, والمعنى: نعم يجوز من حيث القابلية للفعل والإمكان إذا قدَّر الله تعالى ذلك, وليس المعنى منصرفاً إلى كل ولىٍّ بل إن الله عصم أغلب أوليائه من ذلك, ولكن لو شاء الله أن يقع من أحدهم من الذى يحول دونه؟! فمن توهم غير ذلك فهو جاهل أو هو حمار برأس إنسان!!

ولذلك قالوا:

قال حمار الحكيم تُومَـا لو أنصـف الدهر كنتُ أركب
فإننى جاهلٌ بسيـــطٌ وصاحـــبى جاهلٌ مركب!!

ثانياً: إنه ليس أعظم قدراً وتقوى وعلماً وديانةً من الصحابة الكرام- رضى الله عنهم أجمعين- ومع ذلك فقد جاز أن تقع المعصية بل الفاحشة من أفرادٍ منهم, وليس ذلك أبداً هو الغالب, وإنما هم غير معصومين بل محفوظون من وقوعهم فى المعاصى والفواحش, ومع ذلك وقعت الفاحشة من سيدنا ماعزٍ الصحابى- فإن كل من رأى النبى فى حياته ولو مرةً فهو عند أهل الحديث والعلم معدود فى الصحابة مع العلم أن الحابة درجات ومراتب متفاوتة لكن يجمعها معنى الصحبة فتحصل للأعرابى ولغيره بل للصغير منهم - وتاب الله على الصحابى الولى ماعز, ونهى النبى عن سبابه بعد رجمه وأخبر أنه تاب توبةً عظيمةً, ونعلم أن الله يتوب على من تاب, وأنه يقبل التوب ويغسل الحَوْب, والتوبة تَجُبُّ (أى: تمحو) ما قبلها من الفواحش والمعاصى بإجماع العلماء. فلماذا يستعجب الجاهلون جواز وقوع ذلك من الولى كما أنه يجوز أن يقع من كل أحدٍ من المسلمين؟!! فإن الله تعالى يقلِّب القلوب أنَّى(كيف) يشاء, ويصرِّفها كيفما أراد_ كما ورد ذلك فى الحديث القدسى. فاعتبروا يا أولى الألباب.

ثالثاً: المرأة الغامدَّية التى زنت وأقرت بالزنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم, فطلب منها أن تذهب فتضع حملها, وجاءت بعد ذلك فطلب منها أن ترضعه, فأرضعته حولين ثم جاءت, فأمرها أن تدع ولدها عند من يرعاه من قرابتها, ففعلت, ثم جاءت فأقام عليها الحد. ثم إن سيدنا خالد سبها فقال النبى: "لا تسبها فإنها تابت توبةً لو وزِّعت على أهل الأرض لوسعتهم". مع بعض اختلافٍ فى رواية الحديث.

والسؤال الآن أليست هذه المرأة من الصالحات ومن قوة الإيمان بمكانٍ حين طلبت أن يقام عليها الحد تكفيراً لذنبها وإبراءً لذمتها أمام الله تعالى؟
وقد أنزلها الله هذه المنزلة من إعلامه بقبول توبتها بهذه الدرجة. هذا بيانٌ للناس وليتق الله كل غبىٍّ معاندٍ يركب رأسه فيما لا يعلم.

وقد تاب الله على الثلاثة الذين تخلفوا عن الغزو مع النبى صلى الله عليه وسلم, ومعلومٌ أن التخلف عن الغزو معه صلى الله عليه وسلم كبيرةٌ.

ردٌ عن اعتراضٍ آخر عن مسألة زنا المؤمن:

قول المعترض كيف يكون من يفعل الزنا- إن افترضنا أن الولى فعله فعلاً- فكيف يكون مؤمناً والنبى صلى الله عليه وسلم يقول: "ولا يزنى الزانى حين يزنى وهو مؤمن

والجواب: أن المعترض لا يفهم الحديث لجهله وضآلة عقله لأن العلماء قالوا فى معنى الحديث: إن هذا نفى لكمال الإيمان, وليس نفياً لمطلق الإيمان.
والمعنى: أن إيمانه ينقص نقصاً شديداً حين يفعل ذلك, لكن أصل الإيمان الذى هو الإيمان بأنه لا إله إلا الله محمد رسول الله موجود بقلبه, وإن تغافل عن مقتضى هذه الكلمة من البعد عن المعاصى صغيرها وكبيرها.

وليس النفى لمطلق الإيمان وإلا كان مرتداً ولم يقل ذلك أحدٌ أبداً من العلماء إلا جماعات التكفير والخوارج أمثال المعترض. ولذلك أكّد النبى صلى الله عليه وسلم على دخول الزانى والسارق الجنة إذا كان من أهل لا إله إلا الله فقال أبو ذر الغفارى : وإن زنى وإن سرق؟! قال: "وإن زنى وإن سرق. رغم أنف أبى ذر".

والأمر لا يحتاج إلى تفصيل أكثر من هذا, فكفى بحديث البشير النذير حجةً ودليل.


ردٌّ عن اعتراضٍ آخر على كلام سيدى المرسى أبى العباس:

عندما سئل سيدى المرسى أبى العباس عن أحد تلاميذه وقد رآه إخوانه وهو يزنى, فلحقوا به ليمسكوا به, فلما قارب البحر مشى عليه وفر منهم, فلما سئل قال: " إن الله إذا وهب ما سلب". فاعترض غير الفاهم على ذلك وقال: كيف يزنى وهو ولى؟
والجواب:
أنه يُعْرف من كلام السيد الجيلانى السابق ذكره منذ قليلٍ كيف أن الزنا جائز الوقوع من الولى وغيره من المسلمين, والسؤال:
هل إذا وقع منه يسلبه الله ما آتاه من الكرامات والمزيَّة والهداية. أم أنه إن تاب يتوب الله عليه, ويحفظ عليه حاله وما آتاه من الكرامة والنعمة مع صدق توبته؟ والجواب: أنه إن تاب وقبل الله توبته لا شك يحفظ عليه ذلك كله إن شاء الله تعالى, وإن لم يشأ فلا محجِّر على الله فى شىء لا فى الوهب ولا فى السلب, مع العلم بأن الله تعالى قد يستدرج الواحد منا بما آتاه من الكرامات والنعم ويزيده فيها ويظن هو أنه على شىء, فيكون ذلك من أشد المكر به من حيث لا يدرى. "سنستدرجهم من حيث لا يعلمون" الآية.
فيجوز فى كلام سيدى المرسى أبى العباس أن يكون هذا المريد قد تاب من وقته لمَّا رأى أن الله كشف ستره لإخوانه عقوبةً له فتاب لحينه, فأعاد الله عليه ما كان وهبه إياه من غير سلبٍ. فيصدق عليه أن الله إذا وهب ما سلب. وأما فراره من إخوانه إن افترضنا أنهم كانوا سيقيمون عليه الحد, فذلك جائزٌ, فالأصل هو الستر على النفس وعلى المسلمين, وإذا لم يبلغ الحد الحاكم يستحب له الستر على نفسه( ولتراجع هذا الحكم فى كتاب"أقضية رسول الله" لابن فرج القرطبى).

ويجوز أنه لم يكن تاب وفعل ما كان يفعله على سبيل الكرامة وقت طاعته ورشده وهو أن يمشى على الماء طلباً للهرب من إخوانه, فلم يسلبه الله ذلك الوهب ولكن هذا من مكر الله به. فيصدق على الكلام أيضاً أن الله إذا وهب ما سلب. والله الهادى لمن أراد الهدى. والذين آمنوا زادهم هدىً, فاللهم اهدِ المعترض غير الفاهم. آمين.
فيتحصل بذلك الجواب عن سؤال المعترض وقوله: "كيف يزنى ويشهد له بالولاية"؟
ونعلم بذلك أنه إذا اختلفت الجهة والاعتبار فلا تناقض, لأنه يعود ولياً لو تاب توبةً نصوحاً وشاء الله أن يرد إليه ولايته ويتولاه برحمته, وإن أصر على معصيته من غير توبةٍ جاز أن يكون مستدرجاً غير ولىٍّ. فهو ولىٌّ باعتبارٍ غير ولىٍّ باعتبارٍ آخر. ومتى تاب عليه وقبله فهذا يدل على عظيم فضل الله ورحمته, ففى الحديث : " للهُ أشد فرحةً بتوبة عبده من أحدكم ضلت منه دابته فى أرضٍ فلاةٍ (أى:صحراء) فبينما هو جالس تحت شجرةٍ يستظل بها وجدها قائمةً عنده " فمن هذا الذى يريد أن يحجِّر فضل الله ويتجرأ عليه فيما يَمُنُّ به على من تاب وأناب. فليتق الله وليقل قولاً سديداً.



محمد عبد الرحمن الشاغول
أحد مريدى وتلاميذ سيدى العلامة أ.د/ على جمعة- حفظه الله تعالى
باحث علمى, ومحقق للتراث, وأحد الكاتبين بالموسوعة العربية- التابعة للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم ( ALECSO) بتونس- جامعة الدول العربية.